الأحد، 11 مايو، 2014

الزاكي مرة اخرى



توصلتُ برسالة إلكترونية من قارئ غاضب توعد بعدم قراءة «المساء» لسبب لا يغتفر، وهو أننا كتبنا في الصفحة الأولى من الجريدة عبارة «الشعب يعيد الزاكي إلى تدريب الأسود».
من حق أي أحد أن يغضب على شيء لا يروقه، لكني لا أفهم كيف يغضب البعض على تعيين الزاكي مدربا للمنتخب، ولم يغضب عندما تم تعيين مدربين آخرين أقل قيمة، من بينهم المدرب البلجيكي إريك غيريتس الذي لا أزال مقتنعا حتى الآن بأنه مارس «السّماوي» على المغاربة، فلا يعقل أبدا أن يصمت 40 مليون مغربي على فضيحة مثل فضيحة غيريتس وفضيحة من جلبوه ومن تستروا على راتبه ومن رعوْا كلبه في غيابه.
من عادتي ألا أدافع عن أحد، ولن أدافع عن الزاكي، فهو يربح 50 مليون سنتيم في الشهر، وأنا لاتزال في دماغي بعض نظريات الحقد الطبقي التي تصنع مستقبل الشعوب، رغم أنها صارت نظريات بائرة.
لكن، هناك أشياء ينبغي أن تكون واضحة، وهي أن الزاكي خرج من المنتخب في ظروف غامضة، ومغاربة كثيرون أحسوا بالغصة يومها وظلوا يعتبرونه مدربا مظلوما ومغبونا، لذلك ظلوا يطالبون بعودته، خصوصا وأن كل التجارب التي تلت الزاكي كانت مريعة في فشلها.
المشكلة هي أن خصوم الزاكي فشلوا في إحضار البديل المتفوق، فظل الزاكي هو المتفوق في أذهان الناس، رغم أنه لم يأت بأي إنجاز حقيقي، اللهم لعب مباراة نهاية كأس إفريقيا في تونس سنة 2004، والتي فرح بها المغاربة كأنهم ربحوا كأس العالم، فنحن الأمة الوحيدة في كوكب الأرض التي تفرح بالهزائم.
المشكلة الأخرى هي أن الزاكي لم ينجح في أية تجربة مع أي فريق مغربي درّبه، بل وبدا وكأنه يقعد القرفصاء وينتظر أن تتم المناداة عليه مرة أخرى إلى المنتخب. وكثيرون قالوا إن الزاكي رجل محظوظ فقط، ولا يملك غير «الزّهرْ». لكن، ألا ترون أن ما نحتاج إليه في الكرة هو «الزّهرْ» فقط لا غير؟ فقط بذرنا، أو بذروا، مئات الملايير من قوت الشعب على مدربين تافهين وسياسات رياضية حمقاء واغتنى الكثير من اللصوص من وراء ذلك، ومع ذلك لم نجد الكرة التي يمكن للشعب أن يدفن فيها همومه وأحزانه.
اليوم، قد يكون الزاكي هو الترياق، والذين أعادوه يعرفون أن لا حل لديهم غيره، خصوصا وأن المغاربة بدؤوا يتلملمون مرة أخرى بسبب السياسات الحمقاء في كل شيء، والزيادات المهولة في الأسعار التي تخطت كل الحدود، والقمع الذي يلاحق كل من يحتج؛ لذلك كان لا بد من أن ينزل الزاكي من الفضاء، مثل «سوبيرمان»، لكي يحس الناس ببعض الانتعاش.
لكن المشكلة في هذه البلاد هي أن مدرب المنتخب لا يقدم ولا يؤخر، وفي زمن الحسن الثاني كان مدرب المنتخب ينفذ فقط أوامر وخطط «الرياضي الأول»، تماما مثلما هو حال بنكيران في حكومته.
زمن الملك الراحل، كانت تشكيلة المنتخب توضع بين يد المدرب كما وُضعت تشكيلة الحكومة بيد عباس الفاسي، وكما توضع لائحة البرلمانيين الذين يجب أن ينجحوا، ولائحة اللصوص الذين يجب أن يفلتوا.. وما إلى ذلك.
كرة القدم في المغرب كانت دوما قضية سياسية، أي أنها تصنع الحزن والفرح والصحو والمطر. إنها في قلب السياسة لأن المغاربة لا يملكون أي شيء آخر يفرحون من أجله غير الكرة، فلا اقتصاد ولا علوم ولا تعليم ولا أوسكار ولا نُوبْل ولا حاضر ولا مستقبل، لذلك بقيت الكرة هي المنفذ الوحيد نحو الفرح.. إن وُجد له مكان.
 الذين ينشغلون الآن بقضية عودة الزاكي إلى المنتخب تناسوا بالمرة أننا أكبر بلد منافق في مجال كرة القدم، فمنذ سنوات طويلة ونحن نعتمد على لاعبين وُلدوا وتربوا في الخارج، لاعبين هرب آباؤهم وأجدادهم من مغرب البطالة والفقر والحُكْرة، فصرنا اليوم نستنجد بهم لإنقاذ أنفسنا من المهانة والحكْرة في كرة القدم.
نحن نصف منتخبنا بكونه مغربيا وبه لاعبون قد لا يكونون زاروا المغرب من قبل، لاعبون ولدوا وترعرعوا في بلدان تحترم البشر وتهتم بهم، فنتسولهم من بلدانهم التي ولدوا بها ونجثو تحت أرجلهم ونرجوهم أن يلعبوا معنا.
في المغرب، لم نعد نصنع لاعبين لأن الملاعب والمناطق الخضراء والغابات والحدائق تحولت إلى مساكن للبؤس، هي ليست مدن صفيح عادية، لكنها مدن صفيح على شكل عمارات أنشأتها الضحى والعمران ومجموعة الجامعي وغيرها. اليوم، لا يجد المغاربة أين يلعبون ولا أين يدحرجون الكرة، لذلك اكتفى الكثير من الأطفال والشباب بلعبة «لبْلايسطايشن»، بينما المراهقون والشباب يفتلون «الجْوانات» ويتفرجون على المنتخب.. الذي يوصف بكونه منتخبا مغربيا.
http://97ru.blogspot.com/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%81%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8#