الأحد، 14 سبتمبر، 2014

لا تلهيكم «داعش» عن تونس

 لا يجب أن ننشغل فقط، بالأخبار السيئة المقبلة من العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر، حيث تغرق هذه الدول في مستنقع العنف والقتل وعدم الاستقرار، والعجز المطلق على الوصول إلى توافقات سياسية لإدارة المرحلة الانتقالية. هناك أخبار سارة آتية من تونس، مهد انتفاضات الربيع العربي، حيث ستنظم ثاني انتخابات تشريعية الشهر المقبل، بعد أن تنازل إسلاميو النهضة عن حقهم في الترشح لرئاسة الدولة بحثا عن طمأنة خصومهم في الداخل والخارج، كما تنازلوا من قبل عن السلطة لفائدة حكومة تكنوقراط، كلفت بإدارة المرحلة الانتقالية وهي سابقة في العالم العربي. إذا أضفنا إلى هذه الروح التوافقية التي تسود بين أطراف العملية السياسية في تونس، والتي تَنم عن نضج سياسي وفكري لدى كل الأطراف. إذا أضفنا إلى كل هذا التوافق على أفضل دستور في العالم العربي وأكثره ليبرالية وانفتاحا، وضعه البرلمان المنتخب، وعرض على استفتاء شعبي لم يطعن أحد في نزاهته، ثم لما فرغوا من الدستور وضعوا آلية للعدالة الانتقالية تحت مسمى «هيأة الحقيقة والكرامة»، كُلّفت بفتح سجل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من اليوم الأول لاستقلال تونس إلى يوم خروج هذه الهيأة إلى الوجود، وزادوا على ذلك بندين لم نقدر في المغرب على وضعهما في قانون هيأة الإنصاف والمصالحة. الأول، هو المساءلة القضائية للذين ثبت تورطهم في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.  والثاني، هو اختصاص النظر في الفساد والجرائم الاقتصادية التي وقعت في عهد بورقيبة وبنعلي. إذا وضعنا كل هذا التقدم في إعداد المسرح التونسي لولادة ديمقراطية كبيرة، فإن الأمر يستحق الاهتمام والمتابعة عن قرب.
إن الإنجاز الأكبر المنتظر تحققه في تونس بعد الانتخابات  التشريعية المقبلة في بلاد الزيتون، هو ولادة – ولأول مرة في العالم العربي- نظاما جمهوريا برلمانيا وليس رئاسيا ولا شبه رئاسي. هذا معناه أن البلاد العربية والمغاربية سترى نموذجا أوليا ومصغرا للديمقراطية البريطانية، حيث رئيس الأغلبية هو رئيس الحكومة، والسلطة الأكبر ليست بيد رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة، بل في يد البرلمان والقضاء. نتمنى أن تنجح التجربة، وأن يصير للعرب وللمغاربيين نموذج ديمقراطي يفتخرون به. نموذج يعطي للشباب وللأجيال القادمة أملا في أن الديمقراطية نبتة قابلة للحياة في بلدانهم وثقافتهم ورؤوس نخبهم.
المغرب منزعج من عدم دعوته إلى اجتماع جدة، حيث استقبلت السعودية مجلس حرب على «داعش» برئاسة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، وبحضور دول مجلس التعاون الخليجي ومصر وتركيا والأردن واليمن. كاتب هذه السطور لا يرى داعٍ لغضب أو ضيق المملكة الشريفة من هذا التجاهل، هذه معركتهم وليست حربنا. إخواننا في المشرق هم الذين صنعوا صنم «داعش»، والآن يستعدون لأكله، وقد وضعتهم أمريكا في مركبة أمامية وقالت لهم إن استراتيجية واشنطن في هذه الحرب هي «القيادة من الخلف». السعودية كانت محتاجة إلى الجيش المغربي كقوة احتياطية وعمق استراتيجي سنة 2012، عندما سقط مبارك عن عرش القاهرة. ولهذا وجه الملك عبد الله دعوة مباغتة وغير منتظرة للمغرب للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي رفقة الأردن لتشكيل نادي ملكي متضامن مع بعضه البعض. لكن عندما نجح الانقلاب العسكري في مصر، وصعد السيسي على جثة الثورة إلى الرئاسة، أصبح الجيش المصري كله تحت تصرف الرياض. ألم يقل السيسي في تصريح صحافي عندما سئل عن احتمال مشاركته في حماية أمن الخليج من أي تهديد إقليمي قال: «مسافة السكة»..
صانع القرار في العاصمة الرباط، مطلوب منه أن ينتبه إلى ما يجري في تونس، أكثر مما يجري في العراق وسوريا. الشرق الأوسط على حالته الراهنة لا مستقبل له، والفوضى غير الخلاقة التي ضربته لن تنحسر قريبا. المطلوب من «المغرب الذي شكل نموذجا للبلد الذي حافظ على هامش ديمقراطي في العالم العربي» أن ينافس تونس منافسة أخوية في سباق التحول الديمقراطي الحقيقي، منهيا حكاية الهامش الذي يتسع ويضيق، حسب الظروف والأحوال، ويستثمر كل رأسماله السياسي والبشري في مشروع الدخول إلى نادي الديمقراطيات المعترف بها، وأن يعقد شراكة استراتيجية مع بلاد الزيتون، وأن يهتم بإفريقيا، حيث الفرص الكبيرة للاستثمار والتوسع وتشغيل العقول والأيادي المغربية في بلدان القارة السمراء التي ترحب بالماركة المغربية.
توفيق بوعشرينhttp://www.alyaoum24.com/